{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {قَوِيٌّ} على إهلاك من أراد إهلاكه {عَزِيزٌ} لا يفتقر إلى نصرة الغير، وإنما أمرهم بالجهاد، لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه؛ أي: إن الله قوي قادر يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته غالب على أمره لا يقدر أحد على دفع العقوبة حتى أحلها بأحد من خلقه، وليس له حاجة إلى أن ينصره أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم بذلك، لينتفعوا به إذا امتثلوا، ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين. قال الزروقي رحمه الله تعالى: القوي هو الذي لا يلحقه ضعف في ذاته وصفاته، ولا في أفعاله، فلا يمسه نصب ولا تعب، ولا يدركه قصور، ولا عجز في نقض ولا إبرام. وخاصية هذا الاسم ظهور القوة في الوجود، فما تلاه ذو همة ضعيفة إلا وجد القوة، ولا ذو جسم ضعيف إلا كان له ذلك، ولو ذكره مظلوم بقصد إهلاك الظالم ألف مرة كان له ذلك، وكفى أمره. وخاصية الاسم العزيز: وجود الغنى، والعز صورة أو معنى، فمن ذكره أربعين يومًا في كل يوم أربعين مرة أعانه الله وأعزه، فلم يحوجه إلى أحد من خلقه.
وقال السهرودي رحمه الله تعالى: من قرأه سبعة أيام متواليات كل يوم ألفًا أهلك خصمه، وإن ذكره في وجه العسكر سبعين مرة ويشير إليهم بيده؛ فإنهم ينهزمون.
26 -ولما ذكر سبحانه إرسال الرسل إجمالًا أشار هنا إلى نوع تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} وكرر القسم للتأكيد؛ أي: وعزّتي وجلالي .. لقد بعثنا {نُوحًا} إلى قومه. وهم بنوا قابيل، وهو الأب الثاني للبشر. {وَإِبْرَاهِيمَ} إلى قومه أيضًا، وهم نمرود ومن تبعه. ذكر الله رسالتهما تشريفًا لهما بالذكر، ولأنهما من أول الرسل وأبوان للأنبياء عليهم السلام، فالبشر كلهم من ولد نوح. والعرب والعبرانيون كلهم من ولد إبراهيم. {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا} ؛ أي: في نسلهما {النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} بأن استنبأنا بعض ذريتهما، وأوحينا إلهم الكتب مثل: هود، وصالح، وموسى، وهارون، وداود، وغيرهم، فلا يوجد نبي ولا كتاب إلا وهو مدل إليهما بأمتن الأنساب، وأعظم الإنسان.