(يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور، وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ أي: لمن ركن إليها واعتمد عليها. قال ابن كثير: (أي: هي متاع فان غار لمن ركن إليه؛ فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها) ، وهكذا عرفنا الله على حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، مع إقامة الدليل على مجيء اليوم الآخر، وإذ استقرت تفاهة الدنيا بالنسبة للآخرة يأتي الآن الأمر بالمسابقة إلى الآخرة. قال النسفي: ولما حقر الدنيا وصغر أمرها، وعظم أمر الآخرة، بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد
والفوز بدخول الجنة يقول: سابِقُوا أي: بالأعمال الصالحة أو سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال ابن كثير: حث الله تعالى على المبادرة إلى الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عن الذنوب والزلات، وتحصل الثواب والدرجات وَجَنَّةٍ
عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي: كعرض السموات كلها والأرض، ولنا عودة على هذا المعنى في الفوائد. قال النسفي: وذكر العرض دون الطول؛ لأن كل ماله عرض وطول؛ فإن عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط، أو أريد بالعرض البسطة أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي:
هيأت لهم. قال النسفي: وهذا دليل على أنها مخلوقة أي: موجودة الآن فمن يدعي أنها ستخلق بعد فهو مخطئ بنص الآية ذلِكَ أي: الموعود من المغفرة والجنة فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وهم المؤمنون. قال النسفي: وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قال ابن كثير: أي: هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم ... وبهذا انتهت المجموعة الأولى من الفقرة الثانية.
كلمة في السياق: