والمعنى: لقد كان فضلنا على الخلق، وإنعامنا عليهم أَن أَرسلنا رسلنا من الملائكة إلى الأَنبياء، أو من الأَنبياء إلى أُممهم داعين ومرشدين وأَيدناهم بالمعجزات، والحجج الباهرات الواضحات النى تؤكد صدقهم، وتحتم تصديقهم، وذلك ليدعوا الناس إلى الخير ويوجهوهم للهداية وسلامة السلوك الذي يكفل لهم راحة دنياهم، وسلامة آخرتهم، وأنزلنا مع الرسل الكتب التي تحفظ رسالتهم، وتشرح دعوتهم، وتؤكد صدقهم من التوراة والإنجيل، والقرآن، وسائر الكتب والألواح والصحف السماوية التي نزلت مع الرسل، كما أَنزلنا آلة الوزن ليلتزم الناس بالعدل، ويقوم عليه التعاون والتعامل، ويمتنع الظلم والعدوان.
قيل: إن جبريل - عليه السلام - نزل بالميزان المعروف فدفعه إلى نوح - عليه السلام - وقال:"مُرْ قوْمَكَ يَزِنُوا به"، وقيل المراد بالميزان: العدل والمساواة بين الناس في التعامل.
{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} أي: خلقناه كقوله - تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ} وذلك أن أوامره تعالى وقضاياه وأحكامه تنزل من السماء.
وقال قطرب: وأنزلنا الحديد أي: هيأناه لكم، وأنعمنا به عليكم، وقيل: نزل آدم - عليه السلام - من الجنة، ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة.
ومعنى {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} : أي: قوة ومنعة؛ لأَن آلات الحروب تتخذ منه - وهذا إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى قوة تحميهما؛ ليحصل القيام بالقسط، فإن الظلم من شيم
النفوس، ومن لم يدافع عن نفسه بسلاحه يهدم، وقوله - تعالى: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي: مصالح تنفعهم في معاشهم وتيسير أَعمالهم إذ ما مِن صنعة إلاَّ والحديد أو ما يعمل بالحديد آلتها، وفيه إِيماءٌ إلى أن القيام بالقسط كما يحتاج إلى القائم بالسيف؛ ليحفظ العدل، يحتاج إلى ما به قيام التعايش ليتم التمدن الذي يحتاجه بقاء النوع.
{وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} هذه الجملة معطوفة على محذوف يدل عليه السياق، أَو الحال؛ لأَنها متضمنة للتعليل.