وبعبارات امتزج فيها التأنيب والتحضيض، والتعنيف والتحبيب، والترهيب والترغيب، وبأسلوب التقى فيه النفي وتقريره، والاستفهام وتهويله، عالج النص القرآني تلك المخاوف الاجتماعية السائدة، ودرأ تلك المشاكل العالقة في المجتمعات المتخلفة: العبودية بكل ألوانها، واليتم بكل صوره، والفقر بكل أشكاله، إنها آفات متطاولة تنخر بنية الجسم الإنساني فتهدمه، واقتحامها بحزم وتركها وراء الإنسان مسافات طويلة، هو السبيل الوحيد لتجاوز العقبة المترقبة الوقوع، في كل معانيها البيانية: حقيقية كانت أو مجازية.
اقرأ معي الآيات الأولى من سورة التكوير قراءة تأمل وتدبر، وحاول أن تنساق مع إيقاعها الهادئ، وجرسها الموسيقي الهامس:
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) .
في هذه الآيات صورة من صور تأثير التنوع الصوتي في الفاصلة القرآني في الدلالة. ففواصل هذه الآيات متساوية؛ إذ كلها تنتهي بالتاء المفتوحة الساكنة، والتاء من حروف الهمس، والهمس يختاره الإنسان في لحظات الانكسار النفسي، والشكوى، والالتماس، والدعاء، وفي حالات الضعف، والهوان، والذل، والانهزام. فما علاقة هذه الدلالات بسورة التكوير وفواصلها؟
إن سورة التكوير تصوير حي ليوم القيامة وما فيه من أهوال ومشاهد مروعة مخيفة تبعث على الانكسار والخوف والقلق من المجهول، وهذا ما يجعل الإنسان يخاف وبالتالي يلجأ إلى الدعاء والالتماس.