{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} إلخ إلى جبريل عليه السلام ، هو الذي عوّل عليه عامة المفسرين ، وقد أيدناه بما رأيت .
قال الإمام ابن تيمية: الدنوّ والتدلّي في سورة النجم هو دنوّ جبريل وتدلّيه - كما قالت عائشة وابن مسعود - والسياق يدل عليه ، فإنه قال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} وهو جبريل ، {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى ، وهو ذو المرة ، أي: القوة ، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى ، وهو الذي دنا فتدلّى ، فكان من محمد صلى الله عليه وسلم قدر قوسين أو أدنى ، وهو الذي رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ، رآه على صورته مرتين ، مرة في الأرض ، ومرة عند سدرة المنتهى . انتهى .
وروى البخاري في هذه الآيات عن ابن مسعود قال: ( رأى جبريل له ستمائة جناح ) .
وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم ( رأى جبريل ، ولم يّره في صورته إلا مرتين ، مرة عند سدرة المنتهى ، ومرة في جياد مكان بمكة له ستمائة جناح ، قد سدّ الأفق ) .
وأما ما وقع في حديث شريك في البخاريّ من قوله: ( دنا الجبّار رب العزة فتدلّى ، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ) ، فإن لم يكن ذلك من زيادة شريك ، على ما ذهب إليه الإمام مسلم وغيره ، فهو دنو وتدلّ غير ما في سورة النجم ، نؤمن به ونفوض كيفيته إليه تعالى ، كسائر الصفات .
قال ابن كثير: قد تكلم كثير من الناس في رواية شريك ، فإن صح فهو محمول على وقت آخر ، وقصة أخرى ، لا أنها تفسير لهذه الآية ، فإن كانت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض ، لا ليلة الإسراء . ولهذا قال بعده: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} ، فهذه هي ليلة الإسراء ، والأولى كانت في الأرض . انتهى .