وبقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25] ، يشير إلى الذي يطلع فجر طلبه، ويتلل نور التوحيد في قلبه، ثم قبل سوغ نهار إيمانه تغيم سماء قلبه من منشأ نزعات الشيطان وتسويلاته، وانكسف شمس طلبه، وأظلم نهار عرفانه، ودجى ليل سكره، وغابت نجوم عقله؛ فحدث عن بحر ظلماتهم ولا حرج.
{ذَلِكَ} [محمد: 26] ؛ أي: ذلك التراجع {بِأَنَّهُمْ} [محمد: 26] ؛ أي: بأن القلوب لما مالت إلى النفوس وذاقت من مشاربها، {قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ} [محمد: 26] ، من الواردات وهم النفوس، {سَنُطِيعُكُمْ} [محمد: 26] نوافقكم {فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} [محمد: 26] من حب الرئاسة وقبول الخلق، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 26] عاملهم بحب تغير أحوالهم وزيغ قلوبهم، كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] فسدت بصائرهم وغطت أسرارهم، وليس عليهم وجه التحقيق.
{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [محمد: 27] ، يقلبون وجوههم عن الحق، ويقلبونها عن السفليات ويديرونها عن العلويات، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ} [محمد: 28] ، وهو الإعراض عن الحق تعالى والإقبال على الباطل في الدنيا وشهواتها، {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ} [محمد: 28] وهو مخالفات النفس والهوى، وترك الدنيا وموافقات الشرع ومتابعة الأنبياء؛ {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 28] ، إذا تغيرت أحوالهم.