وبقوله: {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [محمد: 20] ، يشير إلى أن من أمارات الكفر والنفاق كراهية الجهاد كراهة للموت، كما أن من أمارات الإيمان تمني الموت، كما قال تعالى: {فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: 6] ، وقال الكفار ولا يتمنوه أبداً، {فَأَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 20] ؛ أي: فأولى بهم {طَاعَةٌ} [محمد: 21] منهم لله ولرسوله {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} [محمد: 21] ، بالإجابة لما أمروا بالجهاد، {فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ} [محمد: 21] ؛ أي: جد الأمر وافترض القتال في الجهادين.
وبقوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} [محمد: 22] ، يشير إلى أرباب الطلب وأصحاب المجاهدة، إن أعرضتم عن طلب الحق تعالى: {أَن تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ} [محمد: 22] ، أرض قلوبكم بإفساد استعدادها لقبول الفيض الإلهي، {وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] مع أهل الحب في الله؛ فتكونوا في سلك {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23] .
وهذا كما قال الجنيد: لو أقبل صديق على الله ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظ فإن ما فاته أكثر مما ناله، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24] ، فإن فيه شفاء من كل داء؛ ليقضي بهم إلى حسن العرفان، ويخلصهم من سجن الهجران، {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] ، أقفل الحق على قلوب أهل الهوى، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل لهم فهم الخطاب، وإذا كان الباب مقفلاً فلا الشك والإنكار الذي فيها يخرج، ولا الصدق واليقين الذي هم يدعون إليه يدخل في قلوبهم.