ثم أخبر عن وفاق أهل النفاق بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً} [محمد: 16] ، يشير إلى أهل الأهواء، الذين هم بمعزل عن السمع الروحاني، إذا طبع الله على قلوبهم بكفرهم، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم، فلا يسمعون دعوة الحق ولا يفهمون، لو يستمعون إليه بسمع الظاهر؛ لأنهم كما قال تعالى: {َأُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ} [محمد: 16] ، فضلوا عن سبيل الله.
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا} [محمد: 17] إلى طريق الحق، فاستمعوا إلى دعوة الحق {زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] في طلب الحق، {وَآتَاهُمْ} [محمد: 17] ربهم {تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] ، وهو الاتقاء بالله عما سواه، بل اهتدوا بأنواع المجاهدات، فزادهم هدى بأنوار المشاهدات {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ} [محمد: 18] ؛ أي ساعة الوصال {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] ، وهي غلبات الشوق وصدق الطلب؛ فإنه من شرط الوصال كما قال:"ألا من طلبني وجدني"، {فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ} [محمد: 18] ، ساعة الوصال {ذِكْرَاهُمْ} [محمد: 18] ببقاء الوجود؛ لأنه من كمال كشف الحقيقة.