وبقوله: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4] ، يشير إلى كافر النفس حيثما وجدتموه، وهو يمد رأسه إلى مشرب من مشارب الدنيا ونعيمها، فضرب الرقاب؛ أي: فاضربوا عن ذلك الرأس، وادفعوه عن ذلك المشرب، {حَتَّى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} [محمد: 4] ؛ أي: غلبتموهم وسخرتموهم، {فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ} [محمد: 4] ؛ أي: شدوهم بوثاق أركان الشريعة وآداب الطريقة، فإن بهذين الجناحين يطير صاحب الهمم العلية إلى عالم الحقيقة، {فَإِمَّا مَنًّا} [محمد: 4] على النفوس {بَعْدُ} [محمد: 4] الوصول بترك المجاهدة، {وَإِمَّا فِدَآءً} [محمد: 4] بكثرة العبادة؛ عوضاً عن ترك بعد الظفر بالنفوس؛ ولتأمل النفوس بسيف المخالفة، فإن في مذهب أرباب الطلب يجوز كل ذلك بحسب نظر كل مجتهد، فإن كل مجتهد منهم نصيب {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] إلى أن يقصد القاصد المقصود، ويجد الطالب المطلوب، ويصل العاشق المعشوق، فإن جرى على النفس بعد الظفر بها مسامحة في إعفاء ساعة وإفطار يوم؛ ترويحاً للنفس من الكد وإحماءها للحواس، قوةً لها على الجهد فيما يستقبل من الأمر، فذلك على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد، أو فتوى لسان القوم أو فراسة صاحب الوقت، {ذَلِكَ} [محمد: 4] الذي ذكرت من طرف العبد، {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} [محمد: 4] ؛ يعني: بقهر النفس يتجلى صفات الجلال بغير سعي المجاهدة في القتال، {وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ} [محمد: 4] ؛ يعني: في النفوس {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [محمد: 4] في طلب الحق تعالى، {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] من بذل الوجود في طلب المعبود.