إذن: ليس في المسألة تكرار، إنما هي مواقفُ مختلفة لشيء واحد، والقرآن حينما عرض لنا هذه القصة علَّمنا الفرق بين السحر والمعجزة، السحر: تخييل وخداع للنظر إنما المعجزة حقيقة واقعة.
لذلك قال عن العصا:
{فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 20] يعني: على وجه الحقيقة، ولما تكلَّم عن حبال السحرة قال:
{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] والدليل على ذلك أن السَّحرة وأهل التمرُّس والخبرة في هذا المجال لما رأوا العصا ساعة انقلبت حيَّة خرُّوا سُجَّداً وآمنوا بموسى وبما جاء به، لأنهم أدْرى القوم بهذه المسألة
{قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه: 70] .
والحق سبحانه في موضع آخر يقول:
{سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف: 116] معنى: سحروا أعين الناس أن الأمر في السحر موقوف عند العين وعند النظر، فهو تخييل في مرأى العين فحسب.
وواقع حياتنا أيضاً يشهد بذلك، فأذكر أنني كنتُ رئيس بعثة الأزهر في الجزائر، وهناك تعرفتُ على سفير السعودية بالجزائر الشيخ رياض الخطيب بن فؤاد الخطيب الشاعر العظيم، وحدث بيني وبينه مودة، وصادف أنه نُقِلَ من الجزائر إلى باكستان، وبعدها سافرتُ أنا إلى باكستان ونزلتُ على الشيخ رياض.
وفي يوم تحدَّثنا عن السحر فقال: سأريك مسألة غريبة، هنا ساحر هندي يفعل كذا وكذا. فقلت: والله فرصة نرى ماذا يفعل، وفي الصباح ذهبنا إلى قرية وأتوْا بالساحر الهندي، فقعد وعمل (نصبة) وأتى بقطن جعله على هيئة حبل ولَواه هكذا، وكان معه ولد صغير، أشار إليه أنْ يصعد على هذا الحبل حتى رأى جميعُ الجالسين الولد فعلاً طالعاً على الحبل.
في اليوم التالي وبعد أنْ راجعتُ آيات السحر في كتاب الله أخذتُ معي كاميرا فوتوغرافيا وأحببتُ أنْ أُصوِّر هذا المشهد، وفعلاً صوَّرته، في اليوم التالي وجدت الصورة بعد تحميضها بيضاء ليس بها شيء أبداً.
فقال لي صاحبي: إذن بمَ تفسِّر هذا التخييل الذي رأيناه؟ قلت: والله من حديث القرآن عن الجن نعلم أنه يتشكل بكل الصور، ولا مانعَ أبداً أن الساحر يستعين بالجن، قال تعالى:
{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [الجن: 6] .
إذن: لا مانع عقلاً أنْ يُسخِّر الساحر من الجن مَنْ يساعده في هذه المسألة، ويتشكل له كما يريد.