الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي مَاتَ لَوْ تَرَكْنَاهُ ظَاهِرًا بِحَيْثُ يَرَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَاقِيًا عَلَى مَوْتِهِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ يُقَالُ إِنَّهُ صَارَ حَيًّا لَكَانَ هَذَا تَشْكِيكًا فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَإِنَّهُ دُخُولٌ فِي السَّفْسَطَةِ.
(وَالْجَوَابُ) قَوْلُهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَوْتَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَوْتَةَ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً حَالَ مَا كَانَ نُطْفَةً وَعَلَقَةً؟ فَنَقُولُ هَذَا لَا يَجُوزُ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَاتَهُمْ وَلَفْظُ الْإِمَاتَةِ مَشْرُوطٌ بِسَبْقِ حُصُولِ الْحَيَاةِ إِذْ لَوْ كَانَ الْمَوْتُ حَاصِلًا قَبْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ امْتَنَعَ كَوْنُ هَذَا إِمَاتَةً، وَإِلَّا لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَمْوَاتًا وَلَيْسَ فِيهَا أَنِ اللَّهُ أَمَاتَهُمْ بِخِلَافِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَاتَهُمْ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ الْإِمَاتَةِ لَا يَصْدُقُ إِلَّا عِنْدَ سَبْقِ الْحَيَاةِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ.
أَمَّا قَوْلُهُ أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة، قُلْنَا لَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَمْ يُكَذِّبْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِذْ لَوْ كَانُوا كَاذِبِينَ لَأَظْهَرَ اللَّهُ تَكْذِيبَهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَذَبُوا فِي قولهم (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا) [الْأَنْعَامِ: 23، 24]