وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) هُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ طَلَبُوا إِزَالَةَ عَذَابِ النَّارِ بِقَوْلِهِمْ (وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) وَطَلَبُوا إِيصَالَ ثَوَابِ الْجَنَّةِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ (وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ) ثُمَّ طَلَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَصُونَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا عَنِ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْفَاسِدَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) ثُمَّ قَالُوا (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) يعني ومن يتق السَّيِّئَاتِ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ رَحِمْتَهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالُوا (وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) حَيْثُ وَجَدُوا بِأَعْمَالٍ مُنْقَطِعَةٍ نَعِيمًا لَا يَنْقَطِعُ، وَبِأَعْمَالٍ حَقِيرَةٍ مُلْكًا لَا تَصِلُ الْعُقُولَ إِلَى كنه جلالته.
(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ(11)
احْتَجَّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ حَيْثُ (قَالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) فَأَحَدُ الْمَوْتَتَيْنِ مُشَاهَدٌ فِي الدُّنْيَا فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ حَيَاةٍ أُخْرَى فِي الْقَبْرِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَوْتُ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَهَا مَوْتًا ثَانِيًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ حَيَاةٍ فِي الْقَبْرِ.
فَإِنْ قِيلَ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمَوْتَةُ الْأُولَى إِشَارَةٌ إِلَى الْحَالَةِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَ كَوْنِ الْإِنْسَانِ نُطْفَةً وَعَلَقَةً وَالْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا حَصَلَ فِي الدُّنْيَا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) [الْبَقَرَةِ: 28]