{تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23] ، إذا قرعت صفة الجلال أبواب قلوبهم من خشية الله وهيبته، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ} [الزمر: 23] بتجلي صفات جماله {إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] بالشوق والطلب، {ذَلِكَ} [الزمر: 23] ؛ أي: ذلك التجلي {هُدَى اللَّهِ} [الزمر: 23] ليس للإنسان إليه سبيل إلا بالطلب رد، والسبيل سد، {يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ} [الزمر: 23] بأن يكله إلى نفسه وعقله ويحرمه عن الإيمان بالأنبياء ومتابعتهم، {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] من براهين الفلاسفة والدلائل العقلية.
{أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ} [الزمر: 24] عن نفسه {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 24] ؛ أي: عذاب يوم القيامة كمن لا يتقي ويظلم على نفسه، {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24] ؛ أي: ذوقوا عذاب ما كسبتم بأفعالكم الردية، وأخلاقكم الدنية؛ يعني: كنتم في غير العذاب، ولكن ما كنتم تجدون ذوقه لغلبة نوم الغفلة، فإذا متم أنبئتم، والذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى: {نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} [مريم: 72] ، {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [الزمر: 25] ؛ أي: أتاهم العذاب في صورة الصحة والنعمة والسرور، وهم لا يشعرون أنه العذاب، وأشد العذاب ما يكون بفتنة، كما أن أتم السرور ما يكون صلة، وأوجع تأثير الفراق للقلب ما يكون بغتة غير متوقفة، وفي معناه قيل:
فبتنا بخير والدنيا مطمئنة ... وأصبحت يوماً والزمان تقلبا