فالحق سبحانه يقول لرسوله: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، لأن الله حكم عليهم لعلمه بما سيكون منهم، أنهم من أهل النار، فكيف تنقذهم، وقد حكم الله عليهم بذلك؟
ونلحظ في أسلوب الآية {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ..} [الزمر: 19] أن الفعل حَقَّ لم تلحقه علامة التأنيث، مع أن فاعله (كلمة) مؤنثة، قالوا: لأن المؤنث هنا غير حقيقي، فيجوز في الفعل عدم التأنيث.
والاستفهام في {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ..} [الزمر: 19] يحتاج إلى خبر تقديره: أفمَنْ حَقَّ عليه كلمة العذاب، أتريد أن تنجيه أو تحميه منه، بأن تُلح عليه أن يؤمن، أتريد أنْ تنقذه من النار، وقد حكم الله عليه أنه من أهلها؟
{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ}
قلنا: إن من سمات الأسلوب القرآني أن يذكر المتقابلات، فالضِّد يُظهر حُسْنه الضد، كما في قوله سبحانه:
{إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13 - 14] .
وهنا بعد أنْ ذكر الحق سبحانه الكافرين الذين حقَّتْ عليهم كلمة العذاب يذكر المقابل لهم، وهم المتقون {لَكِنِ} استدراك على ما تقدم {الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ..} [الزمر: 20] وهذه المقابلة تهيء النفس لتفظيع المقابل الأسوأ، وتجميل المقابل الأعلى.
والغُرَف جمع غُرْفة، وهي المكان الخاص المقتضب من البيت، وهي مأخوذة من غرفة الماء {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ ..} [الزمر: 20] ثم وصف التي فوق بأنها {مَّبْنِيَّةٌ ..} [الزمر: 20] لأن العادة في الغرفة السفلية أن يُعتنى بها في الأساس، الذي يحمل باقي الأدوار، فأراد أنْ يلفت أنظارنا إلى أن الغرف الفوقية هي أيضاً مبنية مُعْتنىً بها، لا تقل ميزةً عن الغرف السفلية، فكل الغرف من الأدنى إلى الأعلى مميزة.
ثم تأمل الإعجاز في قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الزمر: 20] من تحت أيُّهما؟ من تحت الاثنين، فإنْ قلتَ كيف؟ نقول: اقرأ قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الجنة:"فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر".