قال أبو جعفر النحاس: فقد تبين في هذا الحديث أن يونس كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس.
وفيه أيضاً من الفائدة أن قوم يونس آمنوا وندموا قبل أن يروا العذاب ؛ لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذاب إلى ثلاثة أيام ، ففرقوا بين كل والدة وولدها ، وضجُّوا ضجة واحدة إلى اللّه عز وجل.
وهذا هو الصحيح في الباب ، وأنه لم يكن حكم اللّه عز وجل فيهم كحكمه في غيرهم في قوله عز وجل: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 85] وقوله عز وجل: {وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت} [النساء: 18] الآية.
وقال بعض العلماء: إنهم رأوا مخائل العذاب فتابوا.
وهذا لا يمنع ، وقد تقدّم ما للعلماء في هذا في سورة"يونس"فلينظر هناك.
قوله تعالى:"أَوْ يَزِيدُونَ"قد مضى في"البقرة"محامل"أو"في قوله تعالى: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] .
وقال الفراء:"أو"بمعنى بل.
وقال غيره: إنها بمعنى الواو ، ومنه قول الشاعر:
فلما اشتد أمرُ الحربِ فينا ...
تأمّلنا رِياحاً أو رِزاماً
أي ورزاما.
وهذا كقوله تعالى: {وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] وقرأ جعفر بن محمد"إِلَى مِائَةِ أَلفٍ ويزِيدون"بغير همز ؛ ف"يزِيدون"في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي وهم يزيدون.
النحاس: ولا يصح هذان القولان عند البصريين ، وأنكروا كون"أو"بمعنى بل وبمعنى الواو ؛ لأن بل للإضراب عن الأوّل والإيجاب لما بعده ، وتعالى اللّه عز وجل عن ذلك ، أو خروج من شيء إلى شيء وليس هذا موضع ذلك ؛ والواو معناه خلاف معنى"أو"فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لبطلت المعاني ؛ ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من مائتي ألف أخصر.