وهكذا حدد الخالق سبحانه لآدم كيفية معيشته في الجنة، فأحل له أن يأكل منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يعد ولا يحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نص يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها.
وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: {وَلَا تَقْرَبَا (35) } [البقرة] ولم يقل: ولا تاكلا، فالمنهى عنه مجرد قربها، لأن قربك من المحرم يغريك به حتى تقع فيه، لذلك تجد أسلوب القرآن في الأوامر يقول: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا (229) } [البقرة] أما في النواهي فيقول: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (187) } [البقرة]
لذلك لما حرم الإسلام الخمر لم يحرم شربها فحسب، إنما حرم كل ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى التواجد في مكان في مكان هي فيه، لماذا؟ ليسد كل الطرق المؤدية إليها المغرية بها.
وحين يبين لنا الحق سبحانه الحلال والحرام والأوامر والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن استقمت على منهجنا وتكليفنا لك ستظل حياتك سليمة بلا عورة، خالية من المشاكل والصعاب، فإن تعديت هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمه، سواء أكانت عورات اجتماعية، أن أخلاقية، أم اقتصادية. . إلخ.
وفي قصة آدم - عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لما استقام آدم على منهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافي بلا سوءة، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نهى عنها بدت سوءته لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو طهي على قدر حاجة الجسم ومقومات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج فضلات من الجسم.