والمؤمن الحق حين يرى غيره ممن ابتلاهم الله لا يتعالى عليهم ولا يدل عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عوض فيقول في نفسه: يا ترى في أي الجوانب تتفوق عليّ وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع.
نقول: فعلى الإنسان أن يظل دائماً على ذكر لهذه الحقيقة أنه خليفة لله في الكون ليس أصيلاً فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين توكل غيرك في شيء بعينه، فإن اعتبر نفسه وكيلاً في كل شيء فسدت الوكالة، لذلك نرى العقلاء حين يوكلون غيرهم يوكلون على قدر الحاجة والضرورة حتى لا تستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.
وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أن يظل خليفة محتاجاً لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء ينسيك، والحاجة تلجئك وتعطفك إلى من استخلفك.
ولما خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يعده لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلاً اللاعب الذي نعده لمجرد أن يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاهء، إلى أن يصل إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟
كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درب آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) } [البقرة]