كذلك أنت أيها المعافي، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نعم الله عليك التي كثيراً ما تغفل عنها، فإن قلت: فما ذنب هذا المبتلي أن يجعله الله وسيلة إيضاح لغيره؟
نقول: لو أدركت ما وجده من العوض عما فقد لتمنيت أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوضهم الله بخصلة أخرى تعوض ما فيه من نقص، لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين (يلضم) الخيط في الإبرة برجليه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء.
وسبق أن قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفت أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، فيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوته في هذه اليد.
ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون، ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما الكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائماً خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يقرأ له، فينصت جيداً، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى، لذلك قال أحدهم:
عَمِيتُ جَنيناً وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى ... فَجِئتُ عَجِيبَ الظنِّ لِلعِلْم مَوئِلاً
وَغَابَ ضِياءُ العَيْن بالقَلْبِ رَافِداً ... لعلمٍ إذَا مَا ضَيَّع الناسُ حَصَّلاَ
إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عوضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أن قلنا: إن الذي أبدع السيمفونية العالمية المشهورة كان أصم!! وتيمورلنك الذي دوخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرج!!