وفرق بين من يخلق، ومن يخلق من يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير مثلاً لا يقدر على نقل المائدة من مكانها، أما الرجل القوي فيستطيع أن ينقلها له، وهو في هذه الحالة لم يعد قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدى له أثر صفته فحمل عنه واشتال له، وظل الطفل ضعيفاً غير قادر على الحمل.
لذلك نقول: إن وجه العظمة في خلق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق من قدرته قدرة، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدم، فالخلق يتطوعون ويعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفاً، أما الخالق سبحانه فيعطى الضعيف قوة فيفعل بنفسه.
لكن تنبه أن هذه الصفات موهوبة لك لا ذاتية فيك، لأنك لست أصيلاً في الوجود بل أنت خليفة، ولابد لك أن تظل في حضن من استخلفك، وإياك أن تشذ عمن استخلفك، وإلا سحب منك مقومات هذا الاستخلاف.
وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا أعور وهذا أعرج. . إلخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتك إليه، وينبهك إلى أنك لست أصيلاً في الوجود إنما مستخلف، وأنك شيء ما دام معك من استخلفك، فإن تخلى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في الكون أن يعتبر نفسه أصيلاً، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامت الأمور.
البعض ينظر إلى هذه العاهات أنها تشويه للخلق ولا يرى فيها حكمة، والحقيقة أنها خلقت لحكمة مرادة لله تعالى، وما هي إلا وسيلة إيضاح للناس كي لا تغتر بالجوارح السليمة، وكي تظل على ذكر لله تعالى، وكما قلنا هي التي تلجئك.
ونحن نرى مثلاً رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة محطمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناس ليرتدع السائقون عن الرعونة في السرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جعل كذلك لهدف، وربما تعمدوا إعدام السيارة لما يترتب على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات.