وروى أبو الحسن بن جهضم عن محمَّد بن حسان] قال: سمعت الفضيل بن عياض وجلس إليه سفيان بن عيينة، فتكلم الفضيل بكلام، فقال فيما تكلم: كنتم معشرَ العلماء سُرُجَ البلاد يستضاء بكم، فصرتم ظلمة، وكنتم نجومًا يهتدى بكم، فصرتم حيرة، لم لا يستحي أحدكم يأخذ من مال هؤلاء وقد علم من أين هو، حتى بسند ظهره ويقول: حدثني فلان عن فلان، وحدثنا فلان عن فلان.
فرفع سفيان رأسه وكان مطأطئه، فقال: هاه! هاه! والله لئِن كنا لسنا صالحين فإنا نحب الصالحين.
قال: فأسكت الفضيل، وطلب إليه سفيان فحدثنا بثلاثين حديثا.
وروى ابن الجوزي في"صفة الصفوة"عن عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي أنه كان يقول: لو خيرت أن أعمر مئة سنة في طاعة الله، أو أن أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه، لاخترت أن أقبض في يومي هذا أو ساعتي هذه شوقًا إلى الله، وإلى رسوله، وإلى
الصالحين من عباد الله.
وهذا منتزع من قول يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [سورة يوسف: 101] .
وكأن ابن أبي زكريا وثق من حبه لله تعالى ولرسوله وللصالحين ما لم يشق من طاعة مئة سنة؛ لأن الطاعة يدخلها الرياء والفساد بخلاف حب من ذكر؛ فإنه من أفضل الحسنات، ولا يدخله ما يفسده.
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأل عن الساعة فقال له:"ما أَعْدَدْتَ لَها؟".
قال: ما أعددت لها كبير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله.
فقال له:"إِنكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". رواه الشيخان، وغيرهما، وتقدم.
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وتسعونَ:
قال الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [سورة يونس: 62 - 64] .
روى ابن أبي الدنيا في كتاب"الموت"، وأبو الشيخ، وابن منده