فهؤلاء الثلاثة لما ساءتهم سيئتهم، وأحزنتهم، وضيقت صدورهم، تاب الله عليهم، وأمر المؤمنين أن يتأَسَّوا بهم. وفي"الصحيحين"في حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه عن توبته بعد أن وصف صدقه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتجوز في الاعتذار، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - له:"أَمَّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ؛ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ".
وصف تأنيب قومه له على ذلك؛ قال: فو الله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكذِّب نفسي.
قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟
قالوا: نعم؛ رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك].
قال: قلت: من هما؟
قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي.
قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوة.
قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
فأشار كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه إلى أنه لما عرف أن له شريكين في مثل ذنبه صالحين سَلا بهما، وخفف من همه حين ساواهما؛ وفي أمثلة الناس: إذا كنت ثالث ثلاثة فلا تبالِ، ومن شأن الحكيم أن يتسلى فيما يصيبه بنظائره ونظائر مصائبه.
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَثلاثونَ:
روى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لا يُصلِح الناسَ إلا أميرٌ؛ بَرٌّ، أو فاجرٌ.
قالوا: هذا البَرُّ، فكيف بالفاجر؟
قال: إن الفاجر يؤَمِّن اللهُ به السبيلَ، ويجاهَد به العدوُّ، ويَجيء به الفيءُ، وتقام به الحدودُ، وُيحَجُّ به البيتُ، وَيعبُد اللهَ به المسلمُ آمناً حتى يأتيه أجلُه.
قلت: هذا كالبيان لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ"
الفاجِرِ.
وهذه الأمور تتم بالبَرِّ، بل هي به أتم، وإنما يفرق بينهما بالنية؛ فالفاجر ينوي بذلك صيانة إمرته، وقيام حرمته، ورغبة الناس في ولايته، فيُصلِح اللهُ به الناسَ وإن لم يُرِد صلاحَهم، والبَرُّ ينوي بذلك سكونَ خواطر المسلمين، ونُصحَهم، وحمايتَهم، وإقامةَ الدِّين، وإعلاءَ كلمة الله تعالى.