فقال له: يا حسن! لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي، ولا يطيل عذابي.
فبكى الحسن بكاءً شديداً، وأقام الحَجَّاج على هذه الحالة بهذه العلة] خمسة عشر يوماً، ومات.
ويرحم الله جدي الشيخ رضي الدين القائل: من الرجز
مَنْ بارَزَ الرِّجالَ بِالأَذَى وَلَمْ ... يَخْشَ وَلَمْ يَخَفْ عِقابَ رَبّه
وَيْلٌ لَهُ دُنْياً وَأُخْرى كَيفَ لا ... وَاللهُ قَدْ آذَنَهُ بِحَرْبِه
* فائِدَةٌ حادِيَةَ عَشْرَةَ:
روى أبو الشيخ بن حيان في"العظمة"عن معاذ بن جبل، والعِرباض ابن سارية رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً نِصْفُهُ مِنَ النَّارِ وَنصْفُهُ مِنَ الثَّلْجِ يَقولُ: اللَّهُمَّ] كَما أَلَّفْتَ بَينَ الثَّلْجِ وَالنَّار، كَذَلِكَ أَلِّفْ بَينَ قُلوبِ عِبادِكَ الصَّالِحينَ".
وهذا الحديث دليل واضح على أن ائتلاف العبد بالصالحين دليل على أنه منهم، وقد تقدم في صدر الكتاب ما يؤيد ذلك.
ومن ثم ينبغي للعبد إذا لم ير نفسه تألَفُ الصالحين، ولا يألفونه أن يحزن لذلك، ويبكي على نفسه؛ إلا أن يكون ممن شغله الأنس بالله عن الأنس بعباده، كما روى ابن الجوزي في"صفة الصفوة"عن أبي بكر
الهلالي قال: كنت أتمنى على الله تعالى أن يريني أبا العباس الخضر عليه السلام، فلما كان بعد مدة إذا أنا بالباب يدق علي، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا الذي تتمنى على الله، أنا الخضر.
فقلت له: الذي طلبناك له قد وجدناه، ارجع إلى حال سبيلك.
وروى أبو عبد الرحمن السلمي في"طبقاته"عن عمر بن سنان المنبجي قال: اجتاز بنا إبراهيم الخواص رحمه الله تعالى، فقلت له: حدثني بأعجب ما رأيت في أسفارك.
فقال: لقيني الخضر عليه السلام فسألني الصحبة، فخشيت أن يفسد علي سر توكلي بسكوني إليه، ففارقته.
وكذلك إذا لم يألف قلبه مَنْ شِيمتُهُ الصلاحُ ينبغي له أن يرجع باللائمة على نفسه، ويتهمها، ولا يقع في ذلك الذي لم يألفه قلبه كما تقدم قريباً عن أبي سليمان؛ لأن ذلك أسلم لدينه خشية أن يكون ممن أبغض الصالحين، أو غض منهم؛ والعياذ بالله!