وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في أوّل سورة الأنعام: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ} [الأنعام: 45] الآية. وقوله تعالى في آخر يوسف: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] وقوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} [القمر: 12] وقوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} [الصافات: 1314] وأصل الإعراض مشتق من العرض بالضم ، وهو الجانب ، لأن المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه صاداً عنه.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51)
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة النفخة الأخيرة ، والصور قرن من نور ينفخ فيه الملك نفخة البعث ، وهي النفخة الأخيرة ، وإذا نفخها قام جميع أهل القبور من قبورهم ، أحياء إلى الحساب والجزاء.
وقوله: {فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث} جمع جدث بفتحتين ، وهو القبر ، وقوله: ينسلون: أي يسرعون في المشي من القبور إلى المحشر ، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43] وقال تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ سِرَاعاً} [ق: 44] الآية. وكقوله تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع} [القمر: 78] الآية. وقوله: {مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع} أي مسرعين مادِّي أعناقهم على أشهر التفسيرين ، ومن إطلاق نسل بمعنى أسرع: