{فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} أي: لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما له ، وما عليه ، أو لا يستطيع أن يوصيه بالتوبة ، والإقلاع عن المعاصي ، بل يموتون في أسواقهم ، ومواضعهم {وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} أي: إلى منازلهم التي ماتوا خارجين عنها.
وقيل: المعنى: لا يرجعون إلى أهلهم قولاً ، وهذا إخبار عما ينزل بهم عند النفخة الأولى.
ثم أخبر سبحانه عما ينزل بهم عند النفخة الثانية ، فقال: {وَنُفِخَ فِى الصور} وهي: النفخة التي يبعثون بها من قبورهم ، ولهذا قال: {فَإِذَا هُم مّنَ الأجداث} أي: القبور {إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ} أي: يسرعون ، وبين النفختين أربعون سنة.
وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي حيث قال: {ونفخ} تنبيهاً على تحقق وقوعه كما ذكره أهل البيان ، وجعلوا هذه الآية مثالاً له ، والصور بإسكان الواو: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ، كما وردت بذلك السنة ، وإطلاق هذا الاسم على القرن معروف في لغة العرب ، ومنه قول الشاعر:
نحن نطحناهم غداة الغورين... نطحاً شديداً لا كنطح الصورين
أي: القرنين.
وقد مضى هذا مستوفى في سورة الأنعام.
وقال قتادة: الصور جمع صورة ، أي: نفخ في الصور الأرواح ، والأجداث جمع جدث ، وهو: القبر.
وقرئ"الأجداف"بالفاء ، وهي لغة ، واللغة الفصيحة بالثاء المثلثة ، والنسل ، والنسلان: الإسراع في السير ، يقال: نسل ينسل كضرب يضرب ، ويقال: ينسل بالضم ، ومنه قول امرئ القيس:
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل... وقول الآخر:
عسلان الذيب أمسى قارنا... برد الليل عليه فنسل
{قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} أي: قالوا عند بعثهم من القبور بالنفخة: يا ويلنا: نادوا ويلهم ، كأنهم قالوا له احضر ، فهذا أوان حضورك ، وهؤلاء القائلون هم: الكفار.
قال ابن الأنباري: الوقف على {يا ويلنا} وقف حسن.