المائدة 66 فذكر الفوقية قبل التحتية. الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} فاطر 44 يريد من الكفار أنْ ينظروا إلى مواقع الحياة، لا إلى كلامنا، ولا إلى كلامهم، بل واقع الحياة المشَاهَد، فقال {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ} فاطر 44 لأنهم ساروا بالفعل لأنهم كانوا أمة لها تجارة في الصيف إلى الشمال، وفي الشتاء إلى الجنوب. وفي هذه الأسفار رأوا الكثير من آثار مَنْ سبقهم، فهل رأوا في السابقين رسولاً هُزِم من المكذبين به؟ لقد هزم الله المكذبين والكافرين، وكتب النصر للمؤمنين الصادقين، وهؤلاء الذين أخذهم الله كانوا أشدَّ منهم قوةً، لكنها قوة البشر مهما بلغتْ من التقدم ماذا تفعل أمام قوة الله، فلا تنظر إلى قوة الرسول، لكن انظر إلى قوة مَنْ أرسله، ومَنْ تكفَّل بحفظه ونصرته. إذن هذه معركة ليست بين خَلْق وخَلْق، إنما بين خَلْق معاندين للخالق سبحانه، فهل تُعجِزون الله؟ لذلك ينفي الحق سبحانه أنْ يكونوا معجزين، وينفي أن يكونوا معاجزين، وفَرْق بين الاثنين معجز إنْ أعجزه ولو مرة يعني أتى بما يعجزه، إنما مُعاجز فيها مشاركة ومفاعلة، كأن الإعجاز كان بينهما سِجَال، وفيه أَخْذ ورَدٌّ. فكأن الحق سبحانه يُملي لهم ويمهلهم، فيجعل لهم الغَلَبة، في بعض الجَوْلات ليستنفد كل أنواع الحيل، ويستنفد كل قُواهم، إذن مهما كانت قوتكم، ومهما استعنتُم وتقوَّيتم بحضارات أخرى فلن تُعجزوا الله لأن الله تعالى لا يُعجزه شيء، وليس له سبحانه شريك أو مقابل يساعدكم، فهو إله واحد يساعد المؤمنين به وينصرهم، وأنتم لا ناصرَ لكم، والحق سبحانه أهلك المكذِّبين قبلكم، وكانوا أشد منكم قوةً، والذي يقدر على الأشدِّ أقدر من باب أَوْلَى على الأضعف. والحق سبحانه وتعالى حين يريد أنْ يؤكد أمراً واقعياً من الممكن أنْ يأتي به في صورة الخبر، فيقول لقد ساروا في الأرض، ورأوا كذا وكذا، لكن عدل عن الخبر هنا إلى الاستفهام، يعني اسألوهم أساروا أم لم يسيروا؟ والحق سبحانه لا يسأل هذا السؤال إلا وهو واثق أنهم سيقولون سِرْنا، وهذا يؤكد الكلام لأنه إقرار من المخاطب نفسه، كما أن الاستفهام بالنفي أقوى في تقرُّر المخاطب من الاستفهام بالإثبات. ومسألة السير في الأرض أخذتْ حظاً واسعاً من القرآن الكريم لأن الله تعالى يريد من الناس أنْ ينظروا إلى الآيات الكونية، وأنْ يتأملوا في الكون ليقفوا على أسراره، وعلى دلائل القدرة