وَنَصَبَ ذَا قُرْبَى عَلَى تَمَامِ كَانَ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَسْأَلُهُ أَنْ يَحْمِلَ عَنْهَا ذُنُوبَهَا ذَا قُرْبَى لَهَا؛ وَأُنِّثَتْ مُثْقَلَةٌ، لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْكَلَامِ إِلَى النَّفْسِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَى حَمْلِ ذُنُوبِهَا وَإِنَّمَا قِيلَ كَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْسَ تُؤَدِّي عَنِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، كَمَا قِيلَ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: كُلُّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا تُنْذِرُ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ يَخَافُونَ عِقَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ مُعَايَنَةٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لِإِيمَانِهِمْ بِمَا أَتَيْتُهُمْ بِهِ، وَتَصْدِيقِهِمْ لَكَ فِيمَا أَنْبَأْتَهُمْ عَنِ اللَّهِ؛ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْفَعُهُمْ إِنْذَارُكَ، وَيَتَّعِظُونَ بِمَوَاعِظِكَ، لَا الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ.
عَنْ قَتَادَةَ: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} «أَيْ يَخْشَوْنَ النَّارَ» .
وَقَوْلُهُ: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}
يَقُولُ: وَأَدُّوا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِحُدُودِهَا عَلَى مَا فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَتَطَهَّرْ مِنْ دَنَسِ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، فَإِنَّمَا يَتَطَهَّرُ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُثِيبُهَا بِهِ رِضَا اللَّهِ، وَالْفَوْزَ بِجِنَانِهِ، وَالنَّجَاةَ مِنْ عِقَابِهِ، الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ
وَقَوْلُهُ: {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}
يَقُولُ: وَإِلَى اللَّهِ مَصِيرُ كُلِّ عَامَلٍ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، مُؤْمِنُكُمْ وَكَافِرُكُمْ، وَبَرُّكُمْ وَفَاجِرُكُمْ، وَهُوَ مُجَازٍ جَمِيعَكُمْ بِمَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عَلَى مَا أُهِلَّ مِنْهُ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 19/}