{ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم. وهذا حث على الطاعة فيما أَمر به من الهجرة. ثم ذكر ثواب من هاجر فقال:
58 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} قال ابن عباس: لنسكننهم غرف الدر والياقوت والزبرجد.
قال مقاتل: يعني لننزلنهم. وهذا يدل على صحة قراءة العامة: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} يقال: بوأت فلانًا منزلًا تبويئًا وتبوئة، وذكرنا ذلك قديمًا.
وقرأ حمزة والكسائي: (لَنُثْوِيَنَّهُم) وهي قراءة عبد الله والأعمش، يقال: ثوى بالمكان إذا أقام به، ومنه قوله: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص: 45] أي: مقيمًا نازلًا فيهم، والثويَّ: الضيف لإقامته عند المضيف.
قال الزجاج: يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلًا يقيم فيه. وقال حسان:
ثوى في قريش بضع عشرة حِجةً
أي: أقام ونزل فيهم. وإذا تعدى: ثوى، فزيدت عليه الهمزة، وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني.
قال الأخفش: قرأ الأعمش: {لَنُثْوِيَنَّهُم مِنَ الجنَّةِ غُرَفًا} قال: ولا يعجبني ذلك؛ لأنك لا تقول: أثويته الدار.
قال أبو علي: ووجه هذه القراءة كان في الأصل: لنثوينهم من الجنة في غرف، وحذف الجار، كما حذف من نحو قوله:
أمرتك الخيرَ ....
ويقوي ذلك أن الغرف وإن كانت مختصة، فقد أجريت المختصة من هذه الظروف مجرى غير المختص، نحو قوله:
كما عسل الطريقَ الثعلبُ
ونحو: ذهبتُ الشامَ، عند سيبويه. ويدل على صحة قول سيبويه ما روي في الحديث:"إنما أنا لكم كالوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط"من غير حرف جر، وروي:"إلى الغائط". ويدل على صحة القراءة الأولى،
قوله: {نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} [الزمر: 74] .