ثم قال عز وجل: {والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} يعني: صدقوا بالله ورسوله {وَعَمِلُواْ الصالحات} يعني: الطاعات وهاجروا فسمى الهجرة من الأعمال الصالحة لأنها كانت فريضة في ذلك الوقت {لَنُبَوّئَنَّهُمْ} يعني: لننزلنهم ولنسكننهم.
{مّنَ الجنة غُرَفَاً} يعني: غرفاً من الجنة.
قرأ حمزة والكسائي: {لنثوينهم} بالثاء ، وقرأ الباقون {ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ} بالياء ، فمن قرأ بالثاء فهو من ثويت بالمكان ، يعني: أقمت به ، كقوله {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 45] ومن قرأ بالباء يعني: لننزلنهم ، وذكر عن الفراء أنه قال: كلاهما واحد ، بوأته منزلاً أي أنزلته ، وأثويته منزلاً يعني: أنزلته سواء ، كقوله {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً} .
ثم قال {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين} أي ثواب الموحدين {الذين صَبَرُواْ} على الهجرة.
ويقال: صبروا على أمر الله تعالى.
{وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: يثقون به ولا يهتمون للرزق لأنهم كانوا يقولون: كيف نهاجر وليس لنا مال ولا معيشة ، فوعظهم الله ليعبتروا فقال:
{وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ} يعني: وكم من دابة في الأرض أو من طائر في السماء {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} معها ولا يجمع الغذاء إلا النملة والفأرة.
ويقال: لا تخبئ رزقها {الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} يعني: يرزق الدواب حيث ما توجهت ، وإياكم إذا هاجرتم إلى المدينة.
{وَهُوَ السميع} لمقالتكم {العليم} بكم {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} يعني: كفار مكة {مِنْ خلاق السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ} يعني: من أين يكذبون بتوحيد الله عز وجل.