والخلاصة: أنكم يا أهل مكة في أخوف ما كنتم دعوتم الله تعالى، وفي أمنٍ ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض؛ لأن دعاءكم في وقت الخوف على سبيل الإخلاص، لم يكن إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير، وقد اعترفتم بأن تلك النعمة العظيمة من الله، كيف تكفرون بها، وقد قطعتم في حال الخوف أنه لا أمن من الأصنام، حيث ألقيتموها في البحر، كيف آمنتم بها في حال الأمن.
68 -ولما استنارت الحجة، وظهر الدليل، ولم يكن لهم فيه مقنع .. بين أنهم قوم ظلمة مفترون، وضعوا الأمور في غير مواضعها، بكذبهم على الله، فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ} والاستفهام فيه للإنكار بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أشد ظلمًا {مِمَّنِ افْتَرَى} واختلق {عَلَى اللَّهِ} سبحانه كذبًا، بأن زعم أن له تعالى شريكًا، وأنه إذا فعل فاحشة .. قال: إن الله أمرني بها، والله لا يأمر بالفحشاء، {أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ} ؛ أي: بالرسول، أو بالقرآن {لَمَّا جَاءَهُ} ؛ أي: حين جاءه الحق من غير توقف؛ أي: كذبه حين مجيئه عنادًا دون أن يتأمل فيه أو يتوقف، بل سارع إلى التكذيب أول ما سمعه. وفي قوله: {لَمَّا جَاءَهُ} من تسْفيه آرائهم وتقبيح طرائقهم، ما لا يخفى، حين كذبوا الحق من غير توقف وتأمل.
فالله تعالى لا يمكن أن يكون له شريك، فمن جعل الشريك لملك مستقل في الملك كان ظالمًا يستحق العقاب منه، فكيف إذا جعل الشريك لمن لا يمكن أن يكون له شريك، ومن كذَّب صادقًا يجوز عليه الكذب كان ظالمًا، فكيف من كذَّب صادقًا لا يجوز عليه الكذب، فإذا ليس أحد أظلم ممن يكذب على الله بالشرك، ويكذب الله في تصديقه نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويكذب النبي في رسالة ربه، ويكذب القرآن المنزل من الله تعالى إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -
ثم بين سوء مغبة أعمالهم بطريق الاستفام التقريري، وهو أبلغ في إثبات المطلوب، وهددهم وتوعدهم، فقال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى} ومنزل ومأوى {لِلْكَافِرِينَ} ؛ أي: مكان يستقرون فيه؛ أي: ألا يستوجب هؤلاء الكافرون من أهل مكة الثواء والإقامة في جهنم، فقد افتروا على الله الكذب، فكذبوا بالكتاب أو الرسول لما جاءهم بلا توقف ولا تأمل.