أما إن رأيت النجار مثلاً يمسك (بالفارة) وينحت في قطعة الخشب ، فاعلم أنه يُصلحها لأداء مهمتها ، وأذكر قصة الطفل (أيمن) الذي جاء أمه يبكي ؛ لأن الخادمة تضرب السجادة ، فأخذتْه أمه وأرتْه التراب الذي يتساقط من السجادة في كل ضربة من ضربات الخادمة ، ففهم الطفل على قدر عقله .
وكذلك الحق سبحانه حين يبتلي خَلْقه ، فإنما يبتليهم لا كَيْداً فيهم ، بل إصلاحاً لهم . ألم نسمع كثيراً أماً تقول لوحيدها (إلهي أشرب نارك) ؟ بالله ما حالها لو استجاب الله لها؟ وهي في الحقيقة لا تكره وحيدها وفلذة كبدها ، إنما تكره فيه الخصلة التي أغضبتها منه .
وكذلك الحق - سبحانه وتعالى - لا يكره عبده ، إنما يكره فيه الخصال السيئة فيريد أنْ يُطهِّره منها بالبلاء حتى يعود نقياً كيوم ولدته أمه ، فأحسن أيها الإنسان ظنك بربك .
إذن: نقول: إن من أعظم الجهاد جهادك لنفسك ، لأنها تُلِح عليك أن تُشبع رغباتها ، كما أنها عُرْضة لإغراء الهوى ووسوسة الشيطان الذين يُزيِّن لها كل سوء ، ويُحبِّب إليها كل منكر .
وسبق أنْ بيَّنا: كيف نُفرِّق بين تزيين الشيطان وتزيين النفس ؛ لأن النفس مدخلاً في المعصية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة ، وغُلِّقت أبواب النار ، وصُفِّدت الشياطين".
فلو كانت الذنوب كلها بسبب الشيطان لم نجد من يذنب في رمضان ، إنما هناك كثير من الذنوب تُرتكب في رمضان ، وهذا يعني أنها من تزيين النفس ، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يكشف ابن آدم: ها أنا قد صفَّدْت الشياطين ومع ذلك تذنبون .
فإنْ أردتَ أنْ تعرف هل المعصية من النفس أم من الشيطان ، فإن النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تريد سواها ، ولا تنتقل بك إلى غيرها ، وتظل تُلح عليك إلى أنْ تُوقِعك فيها ، أما الشيطان فإنه يريدك عاصياً بأية صورة وعلى أية حال ، فإنْ تأبَّيْتَ عليه نقلك إلى معصية أخرى .