نلحظ أن الله تعالى سماهم مؤمنين ، ومعنى ذلك أن الإيمان لا يمنع أن نختلف ، وهذا الإيمان الذي لا يمنع أن نختلف هو الذي يُوجب علينا أن يكون منا طائفة معتدلة على الحياد لا تميل هنا أو هناك ، تقوم بدورْ الإصلاح وبدوْر الردع للباغي المعتدي حتى يفييء إلى الجادة وإلى أمر الله .
فإنْ فاءت فلا نترك الأمور تُخيّم عليها ظلال النصر لفريق ، والهزيمة لفريق آخر ، إنما نصلح بينهما ، ونزيل ما في النفوس من غِلٍّ وشحناء ، فقد تنازل القوي عن كبريائه لما ضربنا على يده ، وَقوي الضعيف ، بوقوفنا إلى جانبه ، فحدث شيء من التوازن وتعادلتْ الكِفّتان ، فليعُدْ الجميع إلى حظيرة الأمن والسلام .
بقي لنا أن نتحدث عن جهاد آخر أهم ، هو جهاد النفس البشرية ؛"لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من إحدى الغزوات قال:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"فوصف جهاد النفس بأنه الجهاد الأكبر ، لماذا؟ لأنك في ساحة القتال تجاهد عدواً ظاهراً ، يتضح لك عدده وأساليبه ، أمّا إنْ كان عدوك من نفسك ومن داخلك ، فإنه يعزّ عليك جهاده ، فأنت تحب أنْ تحقق لنفسك شهواتها ، وأنْ تطاوعها في أهوائها ونزواتها ، وهي في هذا كله تُلِح عليك وتتسرَّب من خلالك ."
فعليك أنْ تقف في جهاد النفس موقفاً تقارن فيه بين شهوات النفس العاجلة وما تُورِثك إياه من حسرة آجلة باقية ، وما تضيعه عليك من ثواب ربك في جنة فيها من النعيم ، ما لا عَيْن رأتْ ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
ضع ربك ونفسك في هذه المقابلة وتبصّر ، واعلم أن لربك سوابقَ معك ، سوابق خير أعدّها لك قبل أن توجد ، فالذي أعدَّ لك كل هذا الكون ، وجعله لخدمتك لا شكَّ مأمون عليك ، وأنت عبده وصنعته ، وهل رأيت صانعاً يعمد إلى صنعته فيحطمها؟