فساعةَ ترى كلاً منهما في طرف ، بحيث لا تستطيع أن تتبع أحدهما ، فاعلم أنهما على باطل ؛ لأن الإسلام شيء واحد سبق أنْ شبَّهناه بالماء الأبيض الصافي الذي لم يخالطه لون ولا رائحة ولا طعم ، فإنْ لوَّنته الأهواء وتحزَّب الناس فيه كما يُلوِّنون العصائر فقد جانبهم الصواب وأخطأوا الدين الصحيح .
لأن ما جاء فيه حكم صريح من عند الله اتفقنا عليه ، وما تركه الله لاجتهادنا فينبغي على كُلٍّ منا أن يحترم اجتهاد الآخر ، وأن يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب ، وبهذا المنطق تتعايش الآراء .
والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا المثل على ذلك ، فما أراده سبحانه في المنهج مُحكماً يأتي محكماً في قول واحد لا خلاف فيه ، وضربنا مثلاً لذلك بآية الوضوء: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ...} [المائدة: 6] .
فلم يحدد الوجه ؛ لأنه لا خلاف في تحديده بين الناس ، إنما حدد الأيدي لأنها محل خلاف . إذن: فالقضايا التي تُثار بين المسلمين ينبغي أن يكون لها جدل خاص في هذا الإطار دون تعصُّب ، فما جاءك مُحْكماً لا مجالَ فيه لرأي التزم به الجميع ، وما تُرِك بلا تنصيص لا يحتمل الخلاف ، فليذهب كل واحد إلى ما يحتمله النص .
فالباء في لغتنا مثلاً تأتي للتبعيض ، أو للاستعانة ، أو للإلصاق ، فإنْ أخذتَ بمعنىً فلا تحجر على غيرك أنْ يأخذ بمعنى آخر .
فإنِ استعر القتال بين طائفتين من المسلمين ، فيجب أن تكون هناك طائفة معتدلة تتولى أمر الإصلاح ، كما قال سبحانه: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} [الحجرات: 9] .