فالعلة في أن جعلهم الله كعصف مأكول {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] لأن اللام في (لإيلاَف) للتعليل ، وهي في بداية كلام فالعلة في أن الله لم يُمكِّن الأعداء من هدم البيت لتظلّ لقريش مهابتها ومكانتها بين العرب ، ومهابتها مرتبطة بالبيت الذي يقصده الناس من كل مكان .
وهذه المكانة تُؤمِّن تجارة قريش في رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، لا يتعرَّض لهم أحد بسوء ، وكيف يجتريء أحد عليهم أو يتعرّض لتجارتهم وهم حُماة البيت؟
فمعنى {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] أن الله أهلك أبرهة وجنوده ولم يُمكِّنهم من البيت لتظل لقريش ، وليُديم الله عليها أنْ يُؤْلَفوا وأنْ يُحبُّوا من الناس جميعاً ، ويواصلوا رحلاتهم التجارية الآمنة .
لذلك يقول تعالى بعدها {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت * الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 3 - 4] فكان من الواجب عليهم أن يعبدوا رب البيت الذي وهبهم هذه النعم ، فما هم فيه من أمن وأمان وطعام وشراب ليس بقوتهم ، إنما بجوارهم لبيت الله ، ولبيت الله قداسته عند العرب ، فلا يجرؤ أحد منهم على الاعتداء على تجارة قريش .
فقولهم لرسول الله: {اإن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ...} [القصص: 57] حجة لله عليهم ، ففي الوقت الذي يُتخطّف الناس فيه من حولهم كانوا هم في أمان ، فهي حجة عليهم .
ثم إن الشرط هنا {إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ ...} [القصص: 57] غير مناسب للجواب {نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ...} [القصص: 57] فما دمتم قلتم عن الدين الذي جاءكم به محمد أنه هدى - يعني هدى لله - فكان يجب عليكم أنْ تؤمنوا به لو تأكد لديكم أنه هدى ، وإلا فأنتم كاذبون في هذا القول ، ولِمَ لا وأنتم تُكذِّبون القرآن وتقولون عنه افتراءوكذب وسحر ، والآن تقولون عنه هدى ، وهذا تناقض عجيب .