ألم يقولوا {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] ومعنى هذا أن القرآن لا غبارَ عليه ، لكن آفته أنه نزل على هذا الرجل بالذات .
وقوله تعالى {أفبالباطل يُؤْمِنُونَ .. .} [العنكبوت: 67] أي: بالأصنام {وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67] قال {وَبِنِعْمَةِ الله} [العنكبوت: 67] ولم يقل مثلاً: وبعبادة الله ، أو بالإيمان بالله يكفرون ؛ لأن إيمانهم لو لم يكُنْ له سبب إلا نِعمَ الله عليهم أنْ يُطعِمهم من جوع ، ويُؤمنهم من خوف لكان واجباً عليهم أنْ يؤمنوا به .
والباطل مقابل الحق ، وهو زَهُوق لا دوامَ له ، فسرعان ما يفسد وينتهي ، فإنْ قلتَ ما دام أن الباطل زهوق وسينتهي ، فما الداعي للمعركة بين حَقٍّ وباطل؟
نقول: لولا عضة الباطل للمجتمع لما استشرفَ الناس للحق ينقذهم ، فالباطل نفسه جُنْد من جنود الحق ، كما أن الكفر جُنْد من جنود الإيمان ، فلولا الكفر وما يفعله الكافرون بالناس لما اشتاق الناس للإيمان ، الذي يُوفِّر لهم الأمن والطمأنينة والراحة والمساواة .
كما أن معنى كَفَرَ يعني ستر الإله الواجب الوجود ، والسَّتْر يحتاج إلى مستور ، فما هو المستور بالكفر؟ المستور بالكفر الإيمان ، فكلمة كفر نفسها دليلُ وجود الإيمان .
وسبق أن قلنا: إن الإنسان قد يكره بعض الأشياء ، وهي لمصلحته ولحكمة خلقها الله ، ومثَّلْنا لذلك بالألم الذي يتوجّع منه الإنسان ، وهو في الحقيقة تنبيه له واستنهاض ليعلم سبب هذ الألم ويتنبه ، فيدفع المرض عن نفسه ، ويطلب له الدواء .
فالألم بهذا المعنى جُنْد من جنود العافية ، وإلاَّ فأفتَكُ الأمراض بالبشر ما ليس له ألم يُنبّه إليه ، فيظل كامناً في الجسم حتى يستفحل أمره ، وتعزّ مداواته ؛ لذلك يصفونه بالمرض الخبيث ؛ لأنه يتلصَّص في الجسم دون أنْ يظهر له أثر يدل عليه .