وبلد هنا نكرة تعني: أيْ بلد لمؤمنين أو لكافرين ، فلما استجاب الله له ، وجعلها بلداً كأيِّ بلد تتوفر له مُقوِّمات الحياة دعا مرة أخرى: {رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً ...} [إبراهيم: 35] أي: هذه التي صارت بلداً أريد لها مَيْزة على كل البلاد ، وأمناً أزيد من أمن أيّ بلد آخر ، أمناً خاصاً بها ، لا الأمن العام الذي تشترك فيه كل البلاد ، لماذا؟ لأن فيها بيتك .
لذلك يرى فيها الإنسان قاتلَ أبيه ، ولا يتعرَّض له حتى يخرج ، فالجاني مؤمَّن إنْ دخل الحرم ، لكن يُضيق عليه أسباب الحياة حتى يخرج ، حتى لا يجترئ الناس على بيت الله ويفسدون أمنه ، ومن هذا الأمن الخاص ألاَّ يصاد فيه ، ولا يُعْضَد شجرة ، ولا يُروَّع ساكنه .
وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول للمشركين: لماذا لا تؤمنون بهذا الدين الذي جعل لكم بلداً آمناً ، في حين يُتخطف الناس من حولكم؟ لماذا لا تحترمون وجودكم في هذا الأمن الذي وهبه الله لكم .
وعجيب منهم أن يقولوا كما حكى القرآن عنهم: {وقالوا إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ...} [القصص: 57] كيف وقد حَمْيناكم أيام كنتم مشركين تعبدون الأصنام ، أنترككم بعد أنْ تؤمنوا مع رسول الله .
وقصة هذا الأمن أولها في حادثة الفيل ، لما جاء أبرهةُ ليهدم بيت الله ويُحوِّل الناس إلى بيت بناه باليمن ، فردَّ الله كيدهم ، وجعلهم كعصف مأكول ، وحين نقرأ هذه السورة على الوَصْل بما بعدها تتبين لنا العِلَّة من هذا الأمن ، ومن هذه الحماية ، اقرأ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 1 - 5] لماذا؟ {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف} [قريش: 1 - 2] .