آهٍ لِمَرَاحِلِ أَيَّامٍ قَطَعْتَهَا وَخَلَّفْتَهَا، آهٍ لِبَضَائِعِ عُمْرٍ بَذَّرْتَ فِيهَا وَأَتْلَفْتَهَا، لَوْ أَرَدْتَ خَيْرًا وَبَّخْتَهَا وَعِفْتَهَا، لَوْ قَبِلْتَهَا بِالْوِفَاقِ فَهَلا خَالَفْتَهَا.
إِخْوَانِي: قُولُوا لِلْمُفَرِّطِ الْجَانِي، قَالَ لَكَ الشَّيْبُ: أَمَا تَرَانِي، أَنَا كِتَابُ الْمَنُونِ وَالضَّعْفُ عُنْوَانِي، وَلَيْسَ فِي السُّطُورِ إِلا أَنَّكَ فَانِي:
(أَنْكَرَتْ سَلْمَى مَشِيبًا عَرَانِي ... وَرَأَتْنِي غَيْرَ مَا قَدْ تَرَانِي)
(أَشْرَفَ الشَّيْبُ عَلَى لَمَّتِي ... وَشَبَابُ الْمَرْءِ ظِلٌّ لِلزَّمَانِ)
(إِنَّمَا أَنْتَ لِمَا قَدْ تَرَى ... لا يَغُرَّنَّكَ ضَمَانٌ لِلأَمَانِي)
(هَلْ تَرَى مِنْ عَائِشٍ خَالِدٍ ... كَمْ تَرَى مِنْ هَالِكٍ قَدْ صَارَ فَانِي)
(لَوْ أَعَنْتَ الْعَيْنَ إِذَا أَبْصَرَتْ ... وَاعِظَاتِي بِفُؤَادِي لَكَفَانِي)
(أَيُّ شَيْءٍ أَتَّقِي وَالرَّدَى ... بَيْنَ جَنْبَيَّ بِعَيْنِي يُدَانِي)
(كُلُّ يَوْمٍ نَاقِصٌ دُولَةً ... مِنْ بَقَائِي جَاذِبٌ مِنِّي عِنَانِي)
(وَأُلاقِيهِ بِلا جُنَّةٍ فَإِذَا ... شَاءَ أَنْ يَدْمَى لِحِينِي رَمَانِي)
(تَابِعٌ يَتْبَعُ مَاضِي كَمَا ... يَتْبَعُ الْعَامِلُ جَرًّا لِلِسَانِي)
(لَذَّةُ الدُّنْيَا إِذَا مَا حَضَرُوا ... فَإِذَا غَابُوا فَشُغْلٌ لِلأَمَانِي ...
(ما اطمأن الدهر حتى نقضوا ... فَكَأَنْ لَمْ أَرَهُمْ فِي مَكَانِ)
أَيْنَ أَهْلُ الْعَزَائِمِ رَحَلُوا وَمَاتُوا، أَيْنَ أَهْلُ الْيَقَظَةِ ذَهَبُوا وَفَاتُوا، قِفْ عَلَى قُبُورِهِمْ تَجِدْ رِيحَ الْعَزْمِ، تَنَفَّسْ عِنْدَهَا تُحِبَّ رَوْحَ الْحَزْمِ، أَقْبَلُوا بِالْقُلُوبِ عَلَى مُقَلِّبِهَا، وَأَقَامُوا النُّفُوسَ لَدَى مُؤَدِّبِهَا وَمَدُّوا الْبَاعَ مِنْ بَاعِ التَّسْلِيمِ إِلَى صَاحِبِهَا، وَأَحْضَرُوا الأُخْرَى فَنَظَرُوا إِلَى غَايَتِهَا وَسَهِرُوا اللَّيَالِيَ كَأَنَّهُمْ قَدْ وُكِلُوا بِرَعْيِ كَوَاكِبِهَا، وَنَادَوْا نُفُوسَهُمْ صَبْرًا عَلَى نَارِ الْبَلاءِ لِمَنْ كَوَاكَ بِهَا، وَمَقَتُوا الدُّنْيَا فَمَا مَالَ الْمَلأُ إِلَى مَلاعِبِهَا، وَاشْتَاقُوا إِلَى الْحَبِيبِ فَاسْتَطَالُوا مُدَّةَ الْمُقَامِ بِهَا.
(أَنْتُمْ عَلَى الْبُعْدِ هُمُومِي إِذَا ... غِبْتُمْ وَأَشْجَانِي عَلَى الْقُرْبِ)