وما يكذّب بآياتنا ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويطمس معالم الهداية والنور، ويعاند في كفره ويستكبر، فلا يؤمن بالله وحده، ولا يشكر نعمة الله عليه. وهذا تنفير عما هم عليه من الشرك والباطل.
3 -وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي وما كنت أيها الرسول في تاريخك مع قومك تقرأ من قبل نزول القرآن من كتاب آخر، ولا تعرف الكتابة ولا تستطيع أن تخط شيئا من الكتاب إذ لو كنت قارئا وكاتبا لشك المشركون الجهلة فيما نزل إليك، وقالوا:
لعل ذلك مأخوذ من كتب سابقة، ولما لم يكن كاتبا ولا قارئا فلا وجه لارتيابهم.
قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم لا يخطّ ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية. وقال النحاس: الدليل على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم لقريش أنه لا يقرأ
ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك.
وقوله: مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ لتأكيد النفي، وكذلك قوله:
وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ تأكيد أيضا، وذكر اليمين خرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام 6/ 38] .
والخلاصة: أن صفة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم في الكتب المتقدمة وتاريخه المعروف بين قومه: أنه رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف 7/ 157] .
فلا وجه أصلا للشك في أن هذا القرآن نزل من عند الله، لا بإيحاء بشر ولا ملك ولا جانّ، وبالرغم من نصاعة هذه الحقيقة، ومع علم قريش بأن محمدا صلّى الله عليه وسلّم أمي لا يحسن الكتابة، اتهموه بأخذه عن الكتب المتقدمة، كما حكى تعالى عنهم: وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان 25/ 5] .