والأخذ هنا بسبب الذنوب {بِذَنبِهِ ...} [العنكبوت: 40] ليس ظلماً ولا جبروتاً ولا جزافاً ، إنما جزاءً بذنوبهم وعدلاً ؛ ولذلك يأتي في تذييل الآية:
{وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] .
ثم يُفصِّل الحق سبحانه وتعالى وسائل أَخْذه لهؤلاء المكذبين: {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ...} [العنكبوت: 40] الحاصب: هو الحصَى الصِّغار ترمي لا لتجرح ، ولكن يُحْمي عليها لتكون وتلسع حين يرميهم بها الريح ، ولم يقُلْ هنا: أرسلنا عليهم ناراً مثلاً ؛ لأن النار ربما إنْ أحرقته يموت وينقطع ألمه ، لكن رَمْيهم بالحجارة المحمية تلسعهم وتُديم آلامهم ، كما نسمعهم يقولون: سأحرقه لكن على نار باردة ؛ ذلك ليطيل أمد إيلامه .
ثم يقول سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة ...} [العنكبوت: 40] وهو الصوت الشديد الذي تتزلزل منه الأرض ، وهم ثمود {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض ...} [العنكبوت: 40] أي: قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ...} [العنكبوت: 40] وهم قوم نوح ، وفرعون .
هذه وسائل أربعة لإهلاك المكذِّبين ، النار في الحصباء ، والهواء في الصيحة ، والتراب في الخسف ، ثم الماء في الإغراق ، ورحم الله الفخر الرازي حين قال في هذه الآية أنها جمعت العناصر التي بها وجود الإنسان والعناصر الأساسية أربعة: الماء والنار والتراب والهواء . وكانوا يقولون عنها في الماضي العناصر الأربعة ، لكن العلم فرَّق بعد ذلك بين العنصر والمادة .