إذن: النسبة الواقعية لا تأتي نتيجة النسبة الكلامية ، إنما حين تقول: قف فتأتي النسبة الواقعية نتيجة النسبة الكلامية ، وما دامت النسبة الواقعية تأخرتْ عن الكلامية ، فلا يُوصَف القول إذن لا بصدْق ولا بكذب .
ونعود إلى قول نبي الله شعيب نجده عبارة عن أمرين: {اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر ...} [العنكبوت: 36] ونهي واحد: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] والأمر والنهي من الإنشاء الذي لا يُوصَف بالصِّدْق ولا بالكذب ، فكيف إذن يُكذِّبونه؟
فأول إشكال: {فَكَذَّبُوهُ ...} [العنكبوت: 37] ومنشأ هذا الإشكال عدم وجود الملَكَة العربية التي يفهمون بها كلام الله . فالحق سبحانه قال هنا {فَكَذَّبُوهُ ...} [العنكبوت: 37] لأنه أمرهم بعبادة الله وهو رسول من عند الله فيأمرهم بعبادته ؛ لأن عبادته تعالى واجبة عليهم ، وما أمرهم إلا ليُؤدُّوا الواجب عليهم ، واليوم الآخر كائن لا محالة فارجوه ، والإفساد في الأرض مُحرم .
إذن: فالمعنى يحمل معنى الخبر ، فالأمران هنا ، والنهي أمر واجب فكذَّبوه لعلّة الأمرين ، ولعلَّة النهي .
ومعنى {اعبدوا الله ...} [العنكبوت: 36] خصُّوه سبحانه بالعبادة ، وهي الطاعة في الأمر والانتهاء عن المنهي عنه ، وهذه العبادة مطلوبة من الكل ، وهي شريعة كل الأنبياء والرسل: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ...} [الشورى: 13] .
إذن: فمسألة العبادة والإيمان باليوم الآخر من القضايا العامة التي لا تختلف فيها الرسالات ، أما الشرائع: افعل كذا ، ولا تفعل كذا فتختلف من نبي لآخر .