ولا يخفى معنى {مِنْ} على هذه الأقوال {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار ، فالفعل منزل منزلة اللازم و {لِقَوْمٍ} متعلق بتركنا أو ببينة ، واستظهر الثاني هذا ، وفي الآيات من الدلالة على ذم اللواطة وقبحها ما لا يخفى ، فهي كبيرة بالإجماع ، ونصوا على أنها أشد حرمة من الزنا وفي"شرح المشارق"للأكمل أنها محرمة عقلاً وشرعاً وطبعاً ، وعدم وجوب الحد فيها عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لعم الدليل عنده على ذلك لا لخفتها ، وقال بعض العلماء: إن عدم وجوب الحد للتغليظ لأن الحد مطهر ، وفي جواز وقوعها في الجنة خلاف ، ففي الفتح قيل: إن كانت حرمتها عقلاً وسمعاً لا تكون في الجنة وإن كانت سمعاً فقط جاز أن تكون فيها ، والصحيح أنها لا تكون لأن الله تعالى استبعدها واستقبحها فقال سبحانه: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّنَ العالمين} [العنكبوت: 28] وسماها خبيثة فقال عز وجل: {كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث} [الأنبياء: 74] والجنة منزهة عنها.
وتعقب هذا الحموي بأنه لا يلزم من كون الشيء خبيثاً في الدنيا أن لا يكون له وجود في الجنة ألا ترى أن الخمر أم الخبائث في الدنيا ولها وجود في الجنة ، وفيه بحث ، لأن حبث الخمر في الدنيا لإزالتها العقل الذي هو عقال عن كل قبيح وهذا الوصف لا يبقى لها في الجنة ولا كذلك اللواطة.