وهنا أحب المسلمون تبرئة صاحبهم ؛ لأنه حديث عهد بإسلام ، وكيف ستكون صورتهم لو شاع بين الناس أن أحدهم يسرق ، ومالوا إلى إدانة اليهودي ، وفعلاً عرضوا وجهة نظرهم هذه على رسول الله ليرى فيه حلاً يُخرجه من هذا المأزق ، مع أنهم لا يستبعدون أنْ يسرق ابن أبيرق .
وجلس رسول الله يفكر في هذا الأمر ، لكن سرعان ما نزل عليه الوحي ، فيقول له: هذه المسألة لا تحتاج إلى تفكير ولا بحث: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} [النساء: 105] .
فأدانت الآية ابن أبيرق ، ودلَّتْ على أن هذه ليست الحادثة الأولى في حقِّه ، ووصفتْه بأنه خوّان أي: كثير الخيانة وبرَّأتْ اليهودي ، وصححتْ وجهة نظر المسلمين الذين يخافون من فضيحة المسلم بالسرقة ، وغفلوا عن الأثر السيء لو قلبوا الحقائق ، وأدانوا اليهودي .
فالآية وإنْ أدانت المسلم ، إلا أنها رفعتْ شأن الإسلام في نظر الجميع: المسلم واليهودي وكل من عاصر هذه القصة بل وكل من قرأ هذه الآية ، ولو انحاز رسول الله وتعصَّب للمسلم لاهتزتْ صورة الإسلام في نظر الجميع . ولو حدث هذا ماذا سيكون موقف اليهود الذين يراودهم الإسلام ، وقد أسلموا فعلاً بعد ما حدث؟
وما أشبهَ هذه المسألة بشاهد الزور الذي يسقط أول ما يسقط من نظر صاحبه الذي شهد لصالحه ، حتى قالوا: مَنْ جعلك موضعاً للنقيصة فقد سقطت من نظره ، وإنْ أعَنْتَه على أمره ، فشاهد الزور يرتفع رأسُك على الخصم بشهادته ، وتطأ قدمُك على كرامته .