وقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة ...} [القصص: 54] هذه أيضاً من خصالهم أن يدفعوا السيئة بالحسنة ، فمن صفاتهم العفو والصفح كما قال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور} [الشورى: 43] {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص: 54] النفقة الواجبة على نفسه وعلى آله ، والنفقة الواجبة للفقراء وهي الزكاة ، ثم نفقة المروءات للمساكين وأهل الخصاصة .
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)
هذه صفة أخرى من صفات المؤمنين {وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ ...} [القصص: 55] واللغو: هو الكلام الذي لا فائدة منه ، فلا ينفعك إنْ سمعتَه ، ولا يضرك عدم سماعه ، وينبغي على العاقل أنْ يتركه ، فهو حقيق أنْ يُترك وأنْ يُلْغى .
ولذلك كان من صفات عباد الرحمن: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} [الفرقان: 72] أي: لا يلتفتون إليه .
وسبب نزول هذه الآية: لما استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رُسُل النجاشي وكانوا جماعة من القساوسة ، فلما جلسوا أسمعهم سورة (يس) ، فتأثروا لها حتى بكَوْا جميعاً ، ثم آمنوا برسول الله ، ولما انصرفوا تعرَّض لهم أبو جهل ونهرهم وقال: خيَّبكم الله من رَكْب - وهم الجماعة يأتون في مهمة - أرسلكم من خلفي - يعني: النجاشي - لتعلموا له أخبار الرجل ، فسمعتموه فبكيتُم وأسلمتُم ، والله ما رأينا رَكْباً أحمق منكم ، فما كان منهم إلا أنْ أعرضوا عنه .
هذا معنى قول الحق سبحانه: {وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ... .} [القصص: 55] .