وكمثال بارز على ألوهيته وربوبيته وتدبيره الحكيم دعا الناس أجمعين في هذا المقام إلى التفكير في ظاهرة كونية يرونها من دون انقطاع، لكنهم كثيرا ما يغفلون عن الحكمة الإلهية المتمثلة فيها، وعن المنفعة الكبرى التي يجنيها الإنسان والحيوان والنبات منها، وعن الوضع المفزع والمفجع الذي تتعرض له الأحياء جميعها لو لم تتكرر هذه الظاهرة الكونية في مواعيدها، وتتجدد كل مطلع شمس ومغربها في مواقيتها، ألا وهي ظاهرة تعاقب الليل والنهار وتبادل الضياء والظلام، بنظام وانتظام، وذلك قوله تعالى مخاطبا كافة خلقه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} أي في الليل {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي في النهار {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ومعنى"سرمدا"متصلا على الدوام.
وبهذه المناسبة التي أبرز فيها كتاب الله بعض مظاهر الحكمة الإلهية الكبرى، والتدبير الإلهي العظيم، أعاد النداء الأول الموجه إلى المشركين بنفس الصيغة التي سبقت من قبل، تسفيها لرأيهم، وإبطالا لزعمهم من جديد، فقال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} .
وختم هذا الربع بخطاب موجه إلى كل من يجادل في صحة الإيمان وصدق القرآن، يطالبه إن استطاع بتقديم الحجة والبرهان، حتى إذا ما عجز عن الاحتجاج لإثبات معتقده، سقط في يده، وذلك قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} .