وذكر كتاب الله الناس أجمعين، بحقيقة التوحيد الكبرى القائمة إلى يوم الدين، فقال تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي المنفرد وحده بالألوهية والربوبية وتدبير الكون، إيجادا وإمدادا، {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} أي له الحمد في الأولى على رزقه ونعمته، وله الحمد في الآخرة على عدله ورحمته، وله الحمد فيهما على تدبيره وحكمته، فلا يفعل ربك إلا خيرا، أما الحمد في الدنيا فجميع الخلائق تحمده بلسان الحال دائما، وبلسان المقال أحيانا {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] . وأما الحمد في الآخرة فمصداقه ما يجري على ألسنة الذين اصطفاهم الله من عباده عند لقائه إذ يقولون: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34] ، وما يجري على ألسنة المتقين الذين فتحت لهم أبواب الجنة، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} إذ يقولون: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74] {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] ، {وَلَهُ الْحُكْمُ} أي له الحكم
المطلق، المناسب لجلاله وكماله، الذي لا يتأثر بشهوة، ولا يصدر عن هوى، والحكم الأوفق بطبيعة الإنسان والأضمن لمصلحته شرعا وقدرا، {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [المائدة: 50] {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] ثم قال تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أحببتم أم كرهتم، فرادى كما خلقكم أول مرة {وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94] .