أحدهما: أن تكون حرفاً مصدرياً، والجملة بعده صلة فلا محل لها، والأصل: كل وقت رزق.
والثاني: أن تكون اسماً نكرة بمعنى وقت، فلا تحتاج على هذا إلى تقدير وقت والجملة بعده في موضع خفض على الصفة، فتحتاج إلى تقدير عائد، أي كل وقت رزقوا فيه، ولهذا الوجه مبعد وهو ادعاء حذف عائد الصفة وجوباً، حيث لم يرد مصرحاً به في شيء من أمثلة هذا التركيب، ومن هنا ضعف قول أبي الحسن الأخفش في نحو: أعجبني ما قمت: إن ما اسم، والأصل: ما قمته، أي القيام الذي قمته. وقوله في يا أيها الرجل: إن أيّاً موصول، والمعنى: يا من هو الرجل، فإن هذين العائدين لم يلفظ بهما قط، ولو صح ما ذكر لجاز ذلك، لن الأصل أن العائد يكون مذكوراً لا محذوفاً، وهنا مباحث أخر ليس هذا محلها.
وقال المنطقيون: كلما تقتضي عموم الأفعال، كما أن كل تقتضي عموم الذوات.
وقال الخطيون: كلما إذا كانت ظرفاً كتبت ما معها متصلة نحو: كلما جئتني أكرمتك وكما هنا، وإن كانت اسماً كتبت منفصلة نحو: كل ما عندي لك، وكل ما في الدنيا فانٍ. وكلما رزقوا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لـ جنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة، لأنه لما قيل (أن لهم جنات) لم يخل قلب السامع أن يقع فيه: هل ثمار تلك الجنات تشبه أثمار الدنيا أم أجناس أخر؟ فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار الدنيا، أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله تعالى.
بل قال شيخ الإسلام وحافظ زمانه تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء،
وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. انتهى.
و (من) الأولى والثانية للابتداء، واقعتان موقع الحال، كأنه قيل: كل وقت رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات، مبتدأ من ثمرة، فصاحب الحال الأولى: رزقاً، وصاحب الثانية: ضميره المستكن في الحال. فهو كما قال الزمخشري: بمنزلة قولك: رزقني فلان فيقال لك: من
أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمان. وتحريره: أن الرزق جعل مبتدأ من الجنات، والرزق من الجنات مبتدأ من ثمرة.