وعلى كل تقدير فأنهار الجنة ليست تجري في أخدود، بل على وجه أرض الجنة منضبطة بالقدرة، لما روى أبو نعيم وابن مردويه والضياء عن انس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود
في الأرض؟ لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. قلت: يا رسول الله، ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط معه.
وأخرجه ابن أبي الدنيا عن انس رضي الله تعالى عنه موقوفاً، قال المنذري: وهو أشبه بالصواب. وروى الترمذي وصححه والبيهقي عن معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد.
وروى ابن حبان والحاكم والبيهقي وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنهار الجنة تتفجر من جبل مسك.
لطيفة: روى الحارث بن أبي أسامة والبيهقي عن كعب رضي الله تعالى عنه قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ} قال كعب في تفسير هذه الآية: نهر دجلة نهر مائهم، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار تخرج من نهر الكوثر.
وفي كلام الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: ليس المراد أنّ هذه الأنهار الموجودة في الأرض هي التي في الجنة، بل هذه أسماء أنهار
في الجنة يقال لها: النيل والفرات وسيحان ودجلة، كاسم السلسبيل والكوثر.
وقد أطلت الكلام على ذكر أنهار الجنة وعيونها وما اعد الله تعالى لعباده المؤمنين فيها في كتابنا بهجة الناظرين وآيات المستدلين فراجعه تظفر بالمراد.
وأما قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} :
فقال النحويون: كلما منصوبة على الظرفية باتفاق، وناصبها الفعل الذي هو جواب وهو هنا (قالوا) وجاءتها الظرفية من جهة (ما) فإنها محتملة لوجهين: