قال الزمخشري: والذي يقول إنها مخلوقة - يعني الجنة - يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة، وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام، كالنبي والرسول والكتاب انتهى.
قلت: وعلى هذا التعليل فالصراط والميزان والحوض مخلوقة الآن لمجيئها على نهج الأسماء الغالبة فتأمل فإنه جيد، وهو حق إن شاء الله تعالى.
وأما قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} :
فاللام في (الأنهار) للجنس، كما في قولك: لفلان بستان فيه الماء الجاري، أو عوض من المضاف إليه على رأي بعض الكوفيين، كما في قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} .
أو للعهد والإشهار إلى ما ذكر في قوله سبحانه: {أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ} .
وفي الكشاف: ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتاً، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء الله بذكر الجنات إلا مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها، مسوقين على قران واحد كالشيئين لابد لأحدهما من صاحبه، ولما قدمه على سائر نعوتها.
والنهر - بفتح الهاء وسكونها: المجرى الواسع، فوق الجدول، ودون البحر، كالنيل والفرات. والمراد بها ماؤها على الإضمار، أو على المجاز، كما في سال الميزاب، يقال: جرى الماء يجري جرياً وجرية وجرياناً، أي: سال.
وفي ابن عادل: وهل النهر هو مجرى الماء، أو الماء الجاري نفسه؟ الأول أظهر، لأنه مشتق من نهرت أي وسعت، ومنه النهار لاتساع ضوئه، وقوله عليه الصلاة والسلام: ما أنهر الدم معناه: ما وسع المذبح حتى يجري الدم كالنهر.
فإن قيل بأن النهر اسم للماء الجاري، فنسبة الجري إليه حقيقة. وإن قيل للأخدود فنسبة الجري إليه مجاز انتهى.
و (تحت) : بمعنى سفل، والمراد تجري من تحت شجرها أو قصورها لا من تحت أرضها، وإنما نحتاج إلى هذا التقدير إذا قيل بأن الجنة هي الأرض ذات الشجر. وأما إذا قيل بأنها الشجر نفسه فلا حاجة إلى ذلك.