لطيفة: روى ابن أبي الدنيا عن انس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خلق الله جنة عدن بيده، بناها لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زمردة خضراء، مِلاطها المسك، وحشيشها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ، وترابها العنبر، ثم قال لها: انطقي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيه بخيل.
تنبيه: قال ابن عادل: هذه الآيات صريحة في أنّ الجنة والنار مخلوقتان، لأنه تعالى قال في صفة النار {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وقال في صفة الجنة، في آية أخرى {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ، وقال {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله، وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المحلول - كذا قال - في الحال، فدل على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان انتهى.
وإلى القول بأنهما مخلوقتان ذهب جمهور الأمة، وذهب طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أنهما لم تُخلقا بعد، وبه قال منذر بن سعيد البلوطي، واحتجوا بقول امرأة فرعون {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ} ، وبما جاء في الأحاديث الصحيحة: من عمل كذا غرس له في الجنة كذا. قالوا: لو كانت الجنة مخلوقة لم يكن للدعاء في استئناف الغرس والبناء فائدة.
وأجيب: بأنه لا مانع من أن يحدث الله في الجنة أشياء ينعم بها على عباده شيئاً بعد شيء، وحالاً بعد حال، فيحدث فيها ما شاء من البنيان والغرس، كما أن الأرض مخلوقة ثم يحدث الله تعالى فيها ما يشاء من بنيان وغيره.
والدليل على وجود الجنة الآن ما مر، وقوله تعالى: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}
وقوله تعالى: {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} ، وقوله صلى الله عليه وسلم - في حديث الترمذي وصححه: لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل عليه السلام إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعدت لأهلها فيها. قال: فجاء ونظر إليها. . . الحديث.
وذكرُ أدلة كل من الفريقين في هذه المسألة مما يطول، وقد أطال العلامة ابن القيم الكلام على ذلك في أول كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح فراجعه.