وفي كثير من بلدان الوطن العربي لو حدَّثوك بلهجتهم الخاصة لا تفهم منها شيئاً ، ولولا أن الفُصْحى لغة القرآن تربط بين هذه اللهجات لأصبحتْ كلٌّ منها لغةً خاصة ، كما حدث في اللغات اللاتينية التي تولدت منها الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية ، ولكل منها أسسها وقواعدها الخاصة بها ، وكانت في الأصل لغة واحدة ، إلا أنها لا رابطَ لها من كتاب مقدس .
فالحق تبارك وتعالى يُنبِّههم إلى أن القرآن فيه ذِكْرهم وشرفهم وعزتهم ، وفيه شهرتهم وصيتهم ، فالقرآن جعل العرب على كل لسان ، ولولاه لذابوا بين الأمم كما ذابتْ قبلهم أمم وحضارات لم يسمع عنها أحد .
لذلك يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"إنْ تؤمنوا بما جئت به يكُنْ حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوا عليَّ قولي صبرتُ حتى يحكم الله بيني وبينكم".
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
وإذا لم يكُنْ للرسول أعداء ، فلماذا جاء؟ لو انتظرنا من الجميع ساعةَ يأتي الرسول أنْ يُصدقوه ويؤمنوا به إذن: فلماذا جاء الرسول؟ لا يأتي الرسول إلى إذا طَمَّ الفساد وعَمّ ، كما أننا لا نأتي بالطبيب إلا إذا حدث مرض أو وباء .
وهؤلاء القوم كانت لهم سيادة ومكانة ، وقد جاء الإسلام ليُسوّي بين الناس ، ويسلب هؤلاء سيادتهم ، فلا بُدَّ أن يقفوا منه موقف العداء ، وهذا العداء هو حيثية وجود الرسول فيهم . وليس النبي صلى الله عليه وسلم بِدْعاً في ذلك ، فما من نبي إلا وكان له أعداء ، مع أن الأنبياء السابقين كان النبي منهم في فترة زمنية محدودة وفي مكان محدود .
أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت رسالة عامة في الزمان وفي المكان ، ولا بُدَّ أنْ يتناسب العداء إذن مع انتشار الرسالة وعمومها في الزمان والمكان إلى قيام الساعة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوطِّن نفسه على ذلك .