لذلك نرى أن سيدنا أبا بكر ما انتظر من رسول الله دعوةً ، ولا أنْ يقرأ له قرآناً ، أو يُظهِر له معجزة ، إنما آمن وصدَّق بمجرد أن قال رسول الله ، فما دام قد قال فقد صدق ، ليس بمعجزة رآها أبو بكر ، إنما برصيده القديم في معرفة رسول الله في سلوكه وخُلُقه ، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَدع الكذب على الخَلْق ، ويكذب على الخالق .
وكذلك السيدة خديجة: هل انتظرت من رسول الله ما يُثبت نبوته؟ إنها بمجرد أن قال رسول الله صدَّقتْ به ، ووقفت بجانبه وثبَّتته وهدَّأتْ من روعه ، وقالت له:"والله لا يُسلمك الله أبداً ، إنك لتصِلُ الرحم ، وتحمل الكَلَّ ، وتعين على نوائب الدهر".
ومعنى: {مَهْجُوراً} [الفرقان: 30] من الهجر وهو قَطْع الصلة ، فإنْ كانت من جانب واحد فهي هَجْر ، وإن كانت من الجانبين فهي (هاجراً) . والمعنى: أنهم هجروا القرآن ، وقطعوا الصلة بينهم وبينه ، وهذا يعني أنهم انقطعوا عن الألوهية وانقطعوا عن الرسالة المحمدية ، فلم يأخذوا أدلة اليقين العقدية ، وانقطعوا عن الرسالة المحمدية حينما كذَّبوا بها ، وانقطعوا عن الأحكام حينما عَصَوْها ، وبذلك اتخذوا هذا القرآن مهجوراً في كل هذه المسائل: العقائد والعبادات والتصديق بالرسول .
مع أن العرب لو فهموا قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] لمجّدوا القرآن وتمسَّكوا به ، فهو الذي عصمهم وعصم لغتهم ، وأعْلَى ذِكْرهم بين الأمم ، ولو أن كل أمة من الأمم المعاصرة أخذتْ لهجتها الخاصة الوطنية ، وجعلت منها لغةً لتلاشت العربية كلغة .